السعيد شنوقة
82
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
يراه المعتزلة في أصولهم الخمسة . وذهب بعض الدارسين المحدثين أمثال جولد زيهر الذي علل تلقيبهم كذلك بزهد رؤسائهم الأوائل وعزوفهم عن نعومة الحياة منطلقين من ميل تعبّدي صوفي اعتزالي زاهد أوصلهم لاحقا إلى هذه الدائرة العقلية التي عكست موقفا لحركة معارضة للمعتقدات الشائعة يومئذ « 1 » . ونحن نرى تأسيس التسمية على هذا الأساس مردودا لأننا لا نعتقد أن يكون مشتقا من اعتزال أمور الدنيا من جهة التصوف لفقدا الدليل . ونتفق مع من ردّ على جولد زيهر ومن وافقه في تأسيسه بأن الزهد لون من السلوك دعا إليه الإسلام وحث عليه ، فقد قال الله عز وجل : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف : 31 ] وفي الحديث الشريف : « أفضل الناس مؤمن مزهد » « 2 » . والزهد مرحلة من مراحل التصوف الإسلامي يتفق مع الشريعة ، ولا ينكر أصلا من أصولها ولا فرعا من فروعها ولا يلغيها في أي طور من أطواره « 3 » ، بالإضافة إلى أن الفرق واضح بين التصوف والاعتزال لأن المتصوفة يثبتون الصفات ، ولا يقولون بحرية الإرادة الإنسانية ويقولون بقدم القرآن ويثبتون الرؤية في الدنيا والآخرة والمعتزلة على النقيض من ذلك « 4 » . ونحن نعتقد أن أقرب الآراء إلى الصحة من هذه الآراء في تلقيب المعتزلة بهذا اللقب إنما هو الرأي الذي علل التسمية مرتبطة بموقف ديني ذي بعد سياسي وجعله مرتبطا بعملية الجدل التي وقع حولها شبه إجماع بين المؤرخين والدارسين في مجلس الحسن البصري وذلك لعدة أسباب : الأول : أنّه مهما اختلف في نسبة الانفصال فإن منشأه تمحور حول مجلس الحسن البصري وتلميذيه واصل وعمرو ابن عبيد ، وهذه مسألة ذائعة ترجح صحته . الثاني : أنّ جوهر الجدل ديني لأن الناس اختلفوا في أصحاب الذنوب لا سيما إثر فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز
--> ( 1 ) انظر : نللينو ، بحوث في المعتزلة من التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ، دراسات لكبار المستشرقين ، ترجمة د . عبد الرحمن بدوي ، دار النهضة العربية القاهرة ، 1965 ، ص 179 . ( 2 ) صحيح مسلم : ، 1666 وانظر جامع الترمذي ، 1116 . ( 3 ) انظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي : الناشر : هامش ص 202 . ( 4 ) انظر د . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص ، 26 .